المكاسب الاقتصادية التونسية تعاني رغم تحقيق الديمقراطية السياسية

0
4

ملوحا بطلب وظيفة تناثرت عليه الدماء، يروي عثمان يحياوي كيف مات ابنه، رضا، وهو يبحث عن عمل. يحياوي الذي تجاوز الآن مرحلة الحزن، يقول “إن رضا كان يحمل الطلب عندما صعقته الكهرباء في كانون الثاني (يناير) بعد تسلقه برجا كهربائيا في مدينة القصرين احتجاجا على البطالة والفساد في تخصيص وظائف الدولة”.

تونس

يقول يحياوي، وهو عامل اتصالات متقاعد لديه سبعة أولاد بالغين، أربعة منهم عاطلون عن العمل “منعوه من دخول مكتب المحافظ، لذا صعد على عامود كهرباء في الخارج و كانت السماء تمطر”. و يضيف “لم تكن الكهرباء التي قتلته، لكن القلم الذي شطب اسمه من قائمة أولئك الذين تم إعطاؤهم فرص عمل”.

وفاة رضا، وهو ميكانيكي سيارات يبلع من العمر 27 عاما، أثارت احتجاجا في محافظة القصرين الفقيرة قرب حدود تونس الغربية مع الجزائر. خرج آلاف إلى الشوارع في مدن في المنطقة لعدة أيام في مشاهد أعادت إلى الأذهان الثورة التونسية عام 2011، التي اندلعت أيضا بسبب وفاة شاب وسط حالة من الإحباط بسبب البطالة والفساد.

امتداد أعمال الشغب خارج القصرين إلى المناطق الأكثر فقرا في تونس، العاصمة، عمل على إحداث هزة للحكومة.

الآن عاد الهدوء، لكن إحساس الشباب التونسي بالمرارة، خصوصا في المحافظات الفقيرة في الداخل، لا يزال مستمرا. ويحذر محللون وسياسيون من مزيد من الاحتجاجات.

وقد تم تكريم تونس باعتبارها دولة التحول الديمقراطي الناجح الوحيدة من بين الثورات العربية، لكن اقتصادها المتداعي غير قادر على تلبية طموحات شبابها. معدل البطالة الوطني 15.3 في المائة، لكنه يرتفع إلى 32 في المائة لمن هم دون سن 25. والأرقام تعتبر أعلى من ذلك في الأجزاء الغربية والجنوبية من البلاد البعيدة عن الساحل.

المخاطر على الديمقراطية الهشة في تونس لا تقتصر فقط على السخط الذي يشتعل بشكل دوري ويتحول إلى أعمال شغب – ما يعمل على تفاقم حالة عدم الاستقرار وتأخير الانتعاش الاقتصادي. بل يخشى بعضهم من أن يؤدي مثل هذا الوضع إلى دفع مزيد من الشباب التونسيين إلى أحضان الجماعات المتطرفة، مثل “داعش”.

وتفاقم الخطر مطلع الأسبوع الماضي، عندما اقتحم عشرات من المسلحين التونسيين الذين دربهم “داعش”، بلدة بن قردان على الحدود الجنوبية الشرقية مع ليبيا وهاجموا الشرطة والجيش والحرس الوطني. وعلى الرغم من أنه قد تم صدهم وقتل 46 شخصا على الأقل، إلا أن حجم العملية صدم تونس.

ووجود الدولة في حده الأدني في بن قردان التي تعيش على التهريب. ويعتقد محللون أن من المرجح أن تظل هدفا للمتشددين التونسيين المقيمين في ليبيا، الذين عقدوا العزم على زعزعة استقرار البلاد. ويقول الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، “إن “داعش” يحاول الاستيلاء على أراض وإقامة إمارة في المنطقة الحدودية”.

وفي العام الماضي قتل تونسيون تدربوا على يد “داعش” عشرات من السياح في هجومين منفصلين، أحدهما في متحف في تونس العاصمة والآخر ضد سياح على شاطئ في سوسة. ويعتقد أن التونسيين يمثلون أكبر مجموعة بين مقاتلي “داعش” الأجانب في سورية والعراق.

يقول سعيد فرجاني، أحد قادة “النهضة”، الحزب الإسلامي والشريك الأصغر في الحكومة “ليس لدينا وقت على الإطلاق”. ويضيف “إذا لم نتحرك بسرعة، فإن الناس لن تنتظر وستكون هناك فوضى و”داعش” موجود بجوارنا في ليبيا”.

ويتابع “إذا كان الناس لا يشعرون بأن الدولة ملك لهم. إذا كانوا يشعرون بأنهم مهمشون، يصبح الأمر وكأنك تدفعهم إلى حضن “داعش”. مكافحة الإرهاب لا تكون فقط بالبعد الأمني (…) هناك جوانب اجتماعية واقتصادية”.

الحطام الإقليمي

على عكس التحولات المدمرة في البلدان العربية الأخرى، حيث تحولت الثورة إلى حرب أهلية في بلدان مثل سورية وليبيا، ينظر إلى تونس باعتبارها مثالا على التسوية السياسية.

الإسلاميون في حزب النهضة والمعارضون العلمانيون في “نداء تونس”، حزب له صلات قوية بأعضاء نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، قدموا تنازلات في عام 2014 أبقت التحول الديمقراطي في البلاد على الطريق الصحيح.

حزب النهضة الذي فاز في انتخابات جاءت ببرلمان انتقالي، تخلى عن قيادة الحكومة وعن مطالبه بإدراج مراجع الشريعة الإسلامية في الدستور. في المقابل، أزال معارضوه عقبات كانت تعترض صياغة الدستور وكذلك الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ومُنحت جائزة نوبل للسلام في العام الماضي إلى اللجنة الرباعية لمنظمات المجتمع المدني لرعايتها هذا الحوار وتجنب الدخول في أزمة.

لكن بالنسبة إلى كثير من الشباب التونسيين، تلاشي الآمال في الحصول على عوائد اقتصادية من الثورة أفسد بهجة الديمقراطية. إضافة إلى ذلك، العداء السياسي في الوقت الذي كان يجري فيه تشكيل النظام الجديد قلل الثقة بقدرة السياسيين على الوفاء بوعودهم، كما يقول المحللون.

الإصلاحات الكبيرة اللازمة لمعالجة المشكلات المستعصية – بما في ذلك فجوة الثروة بين الساحل والداخل – تم تأجيل معظمها في الوقت الذي ركز فيه القادة على خلافاتهم. وشملت هذه صراعا على السلطة أدى إلى انقسام “نداء تونس”. وتسبب عدم اليقين في حدوث تغيير سياسي كبير في ردع الاستثمار، بينما دمرت الهجمات الإرهابية في العام الماضي قطاع السياحة، ما أدى تباطؤ النمو إلى 0.5 في المائة.

وكانت السياحة قد عانت بعد ثورة 2011، لكن في عام 2015 انخفضت إيراداتها بنسبة 35 في المائة عن العام السابق، وذلك وفقا للبنك المركزي.

يقول الخيام تركي، رئيس “جسور”، وهي مؤسسة فكرية للسياسة العامة “تونس في حاجة إلى كثير من الاستثمارات. ليس فقط استثمارات أجنبية، ولكن أيضا محلية”. ويضيف “بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب هناك مسألة الأمن، لكن كثيرا من التونسيين (أيضا) ينقلون أموالهم إلى خارج البلاد. إنهم لا يؤمنون بتونس. لم تساعد المشاهد الرهيبة للصراع الداخلي في نداء تونس على الإطلاق”.

عجز الداخلية

بعد خمس سنوات على الثورة تعتبر القصرين صورة مصغرة للمشكلات التي تعانيها تونس. ووفقا لأرقام حكومية، بلغت البطالة المحلية 20.6 في المائة في أيار (مايو) 2015 ـ بالكاد تغيرت عن معدل ما قبل الثورة.

يجد المستثمرون القليل لجذبهم إلى المنطقة، أو إلى أجزاء أخرى في الداخل. الطريق الرئيسي من تونس إلى المحافظة هو طريق نقل غير مزدوج في معظم المسافة. ويشكو رجال الأعمال من أن البنية التحتية لا تدعم الصناعة، والقوى العاملة تفتقر إلى المهارات اللازمة. ويقولون “إن صناعات القطاع الخاص الموجهة للتصدير – من المنسوجات إلى قطع غيار السيارات – التي تستهدف الأسواق الأوروبية بحاجة إلى تسهيل إمكانية وصولها إلى الموانئ”.

هذا النقص في البنية التحتية هو الشكوى الرئيسية في القصرين، وهي بلدة مكونة من مبان منخفضة الارتفاع في ظل جبل الشعانبي، الذي يبعد 30 كيلو مترا عن الحدود الجزائرية. وتأوي قمم جبلية وكهوف في المنطقة مجموعات من المسلحين ينقسمون بين “القاعدة” و”داعش” ولهم سجل من الهجمات على الجيش والشرطة.

وتقع المنطقة على طريق التهريب، إذ يمكن شراء البنزين الرخيص من الجزائر من المقاهي والمنازل على جوانب الطرق في كثير من المناطق الداخلية. ويشارك خمس البالغين في القصرين في تجارة السلع المهربة. ويقول باحثون إنهم يجلبون كل شيء، ابتداء من الهواتف النقالة وأجهزة التلفاز البلازمية إلى السجائر. وقدر البنك الدولي في عام 2014 أن التهريب يكلف تونس نحو 600 مليون دولار سنويا.

سمير، وهو خريج قسم علم الأحياء، يعترف بأنه قضى عشرة أعوام في التعامل مع البضائع المهربة، لكنه توقف في عام 2013 عندما أصبح الإرهابيون أكثر نشاطا وازداد نشاط قوات الأمن في المنطقة الحدودية. ويضيف أن “هناك طرقا للالتفاف حول هذا، هناك طرق خاصة عبر الجبل بعيدا من الشرطة. ويمكنك في الغالب تقديم رشوة لهم إذا لمحوك”.

ويخشى محللون من أن تعمل شبكات التهريب والإرهاب على الحدود الجزائرية في تحالفات تكافلية، مع سيطرة الجهاديين على الطرق وفرض ضرائب على السلع المهربة مثل المخدرات أو الأسلحة.

ويشتكي السكان أيضا من أن تفشي الفساد هو حقيقة من حقائق الحياة في القصرين، وأن الديمقراطية لم تقلل هذه الممارسة.

مهيب غروي، المدير التنفيذي لـ “آي ووتش”، وهي منظمة لمكافحة الفساد، يقول “إن تقدما قد تحقق ضد ما يسميه “الفساد الكبير”، ويرجع ذلك جزئيا إلى تعثر الاقتصاد وكذلك حال العقود الكبيرة، ولكن أيضا لأن من الممكن فضح المخالفات”.

على الرغم من ذلك، تفشي الفساد لا يزال مستمرا. ويقول غروي “يمكنك الحصول على وظيفة إذا كنت تدفع لشخص ما في الخدمة العامة. بالنسبة إلى المدرسين، مثلا، الرسوم تختلف وفقا للتخصص الذي تريد تدريسه”.

قنابل موقوتة

مثل هذه الإحباطات تلون وجهات النظر المحلية للإنجاز السياسي في البلاد.

“النجاح السياسي في تونس يعتبر كذبة كبيرة”، كما يقول حسين بوعلاجي، وهو خريج علوم يبلغ من العمر 31 عاما ويشارك في اعتصام لمئات العاطلين عن العمل الآخرين خارج مكتب حاكم القصرين، بالقرب من مكان وفاة رضا اليحياوي.

ويسأل “ما الذي حدث هنا منذ الثورة”؟ ويضيف “جاء وزير وأرسى حجر الأساس لمنطقة صناعية، ثم لا شيء. مشكلتنا هنا في الداخل هي أنه ليست لدينا جماعة ضغط لقضيتنا مع الحكومة”.

كان بوعلاجي يعمل في ليبيا حتى قاده الاقتتال هناك للعودة إلى الوطن. مثل الآخرين المشاركين في الاحتجاج، يصر على أن الحكومة يجب أن توفر للعاطلين عن العمل وظائف في القطاع العام بالقرب من أماكن إقامتهم. والذين انتقلوا إلى المدن الساحلية للعمل يشكون من أن الإيجارات تلتهم رواتبهم الصغيرة ولا يتبقى منها شيء لإرساله إلى ديارهم وأسرهم.

ويقول وجدي الخضراوي، أحد منظمي الاعتصام “كل واحد منا هنا يعتبر قنبلة موقوتة”. ويضيف “لن تكون هناك ثقة بحكامنا إلا إذا عملوا على التوصل إلى حل جذري لهذه المشكلة وإيجاد فرص العمل لربع أو ثلث العاطلين عن العمل. كيف يمكننا أن نقول إن انتقال البلاد كان ناجحا إذا كان لا يزال الشباب عاطلين عن العمل”؟

ويقول مسؤولون “إن الحكومة تكافح مع تباطؤ النمو والأجور التي تضاعفت منذ اندلاع الثورة، وإنها لا يمكن أن تلبي مطالب بشأن الوظائف في دوائر الدولة”.

يقول زياد العذاري، وزير العمل، “إن البطالة في تونس “هيكلية” ونتيجة لعدم التطابق بين نظام التعليم واحتياجات سوق العمل. هناك 650 ألف تونسي عاطل عن العمل، ثلثهم تقريبا من الخريجين الذين يشكلون المجموعة التي تعاني صعوبة أكبر في العثور على عمل”.

ويضيف العذاري “نحن نعمل على إدخال الإصلاحات الاقتصادية اللازمة لتكون أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب من أجل خلق فرص عمل (…) بعض الباحثين عن عمل لا يتحلون بالصبر. المشكلات الهيكلية لا يمكن حلها بسرعة”. وتقول الحكومة “إنها ستقدم 23 ألف فرصة عمل في وظائف الدولة هذا العام، كثير منها في الجيش والشرطة، وستوفر التدريب لعشرات الآلاف لتمكينهم من تحسين فرصهم في التوظيف من قبل القطاع الخاص”.

بالنسبة إلى تركي، ينبغي أن تكون أولوية الدولة بناء البنية التحتية في المناطق الداخلية لجذب المستثمرين وتعزيز روح المبادرة. يقول “لو كنت في السلطة، لوجهت جميع الاستثمارات إلى المناطق الداخلية لمدة 15 إلى 20 عاما. نحن بحاجة إلى ثورة في عقول الناس والمسؤولين في السلطة”.

المزيد من الروابط:
مخلفات الأوضاع السياسية تؤثر سلبا على اقتصاد تونس
الحكومة التونسية: سنة 2016 حرجة وصعبة و التفاؤل بحلول 2017

المصدر: الاقتصادية

لا تعليقات