مشروع القانون المتعلق بالبنوك و المؤسسات المالية خطر على مدنية الدولة

0
18

تعتبر مدنية الدولة من أهم مكتسبات دستور 27 جانفي 2014 حيث وقع «فرضها» على واضعي الدستور من قبل جانب هام من مكونات المجتمع المدني إثر مخاض صعب وعسير.وقد جاء بتوطئة الدستور ما يلي…«وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي

في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم…» أي أن المدنية هي من أسس الجمهورية الثانية.
كما جاء بالفصل الثاني من الدستور أن «تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون».
لا يجوز تعديل هذا الفصل».

وأخيرا جاء بالفصل 49 من الدستور ما يلي «يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك».
لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور».
واضح إذن من خلال جملة هذه الأحكام أن دستور 2014 يفترض مدنية الدولة التي عدد بعض عناصرها الفصل الثاني من الدستور باعتبارها دولة تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون.
فإضافة إلى قيام الدولة المدنية على فكرة المواطنة التي تفترض عدم التمييز بين جميع المواطنين مهما كان دينهم أو جنسهم أو انتماؤهم الطبقي أو الاجتماعي في الحقوق والواجبات فإن الدولة المدنية تفترض على المستوى القانوني:

• احتكار الدولة المبدئي لصلاحية سن القواعد القانونية.

• وحدة النظام القانوني في الدولة.

• تعبير القانون عن إرادة الشعب صاحب السيادة.

غير أن مشروع القانون المتعلق بالبنوك والمؤسسات المالية ضرب عرض الحائط مختلف هذه المرتكزات التي تقوم عليها الدولة المدنية من خلال إحداث «هيئات شرعية» في إطار ما يعرف بالصيرفة والمالية الإسلامية. فقد جاء بالفصل 11 من هذا المشروع «تعتبر عمليات صيرفة إسلامية على معنى هذا القانون العمليات البنكية القائمة على غير أساس الفائدة أخذا وإعطاء وفق آجال مختلفة في مجال قبول الودائع والتوظيف والتمويل والاستثمار في المجالات الاقتصادية بما يتفق مع المعايير الشرعية.
وتشمل عمليات الصيرفة الإسلامية خاصة الصيغ المنصوص عليها بالفصول الموالية من هذا الباب.

وتحدث للغرض «هيئة شرعية قطاعية» يعهد لها إصدار المعايير الشرعية المتعلقة بعمليات الصيرفة الإسلامية والمالية الإسلامية استئناسا بالمعايير الدولية والآراء التي تصدرها الهيئات الرقابية الشرعية المنصوص عليها بالفصل 56 من هذا القانون».
وبالعودة إلى الفصل 56 من مشروع القانون نلاحظ أنه يكرس هيئات شرعية ليس على مستوى البنك المركزي وإنما على مستوى كل بنك أو مؤسسة مالية مرخص لها بموجب هذا القانون في ممارسة عمليات الصيرفة الإسلامية وهو ما يترتب عنه ثنائية على مستوى مصدر القواعد التي تخضع لها المؤسسات البنكية والمالية باعتبار أن بعض هذه القواعد سوف تكون وضعية والبعض الآخر له صبغة «شرعية» نسبة إلى قواعد الشريعة الإسلامية.
وقد جاء بالفصل 56 خاصة «على كل بنك أو مؤسسة مالية مرخص لها بمقتضى هذا القانون ممارسة عمليات الصيرفة الإسلامية المبينة بالباب الأول من العنوان الثاني من هذا القانون أن تحدث هيئة خاصة مستقلة عن هياكل الإدارة تسمى «هيئة الرقابة الشرعية» تتولى خاصة:

• التأكد من مدى توافق أنشطة البنك أو المؤسسة المالية مع المعايير الشرعية.

• إبداء الرأي في مدى امتثال المنتجات وصيغ العقود والإجراءات العملية للنشاط مع المعايير الشرعية.

• النظر في أية مسائل شرعية تعرض عليها من قبل البنك أو المؤسسة المالية.

تتكون هيئة الرقابة الشرعية على الأقل من ثلاثة أعضاء يتم تعيينهم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة من قبل الجلسة العامة ويتم اختيارهم على أساس نزاهتهم وكفاءتهم وخبرتهم في ميدان فقه المعاملات الإسلامية….
وتكون القرارات الصادرة عن هذه الهيئة ملزمة للبنك أو المؤسسة المالية المعنية.

ويتعين على البنك أو المؤسسة المالية بعد أخذ رأي هيئة الرقابة الشرعية تعيين مدقق شرعي يعهد له التأكد من مطابقة المعاملات لآراء وقرارات الهيئة…»

إن مختلف هذه الأحكام الواردة بمشروع القانون المتعلق بالبنوك والمؤسسات المالية لا تتلاءم مع مختلف العناصر المذكورة أنفا للمقتضيات القانونية للدولة المدنية حيث أنها سوف تؤدي لا محالة إلى فقدان الدولة لصلاحية سن القواعد القانونية بصورة مبدئية باعتبار أن «الفتاوى» التي تصدرها هيئات الرقابة الشرعية سواء بالاعتماد على اجتهادها أو استئناسا «بالمعايير الدولية» سوف لن تكون خاضعة «للسيادة القانونية» للدولة.

كما أن هذه الأحكام سوف تمس من وحدة النظام القانوني للدولة بل أنما سوف تؤدي إلى ازدواجية في النظام القانوني مع ما يمثله ذلك من خطر ليس فقط على مدنية الدولة ولكن أيضا على وحدتها وتماسكها. أليس احتكار الدولة المبدئي لصلاحية سن القواعد القانونية مظهرا من مظاهر سيادتها ووحدتها.

وأخيرا فإن هذه الأحكام سوف لن تعبر عن إرادة الشعب ولا عن علوية القانون الوضعي فهذه الأحكام لن تكون مرجعيتها وضعية ولن تعبر عن الإرادة الشعبية وإنما سوف تعبر عن إرادة بشرية تحت غطاء أو مظلة شرعية تضفي عليها قداسة غير قابلة للنقاش أو الخضوع لأي نوع من أنواع المراقبة القانونية.

وعموما فإنه بقطع النظر على موقفنا من الصيرفة والمالية الإسلامية والتي قد تكون مفيدة لاستقطاب التمويلات والاستثمارات من بعض الدول التي تشترط مثل هذه القواعد فإن تنظيمها يجب أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المنظومة القانونية التونسية ومقتضيات مدنية الدولة ووحدة نظامها القانوني كمظهر من مظاهر سيادتها ولعله من المفارقات الغريبة أن يصدر هذا المشروع عن وزارة المالية أي عن الدولة وقد تداول بشأنه مجلس الوزراء قبل إحالته إلى مجلس نواب الشعب وهو ما يجعلنا نتساءل: من يحمي مدنية الدولة من الدولة؟

المزيد من الروابط:
إقراض تونس 5 مليارات دولار خلال 5 سنوات من طرف البنك الدولي
القطاع السياحي في تونس يواصل التراجع

المصدر: المغرب يومية مستقلة

لا تعليقات